عن التفكر في حياة الإنسان: خلقه ثم رحيله

عن التفكر في حياة الإنسان: خلقه ثم رحيله

fff

عن التفكر في حياة الإنسان: خلقه ثم رحيله……

“يا قابلَ التوباتِ عدنا إليك فاقبلْ توبةَ التائبين.”

هذا الشطر من بيتٍ للشاعر الفارسي العظيم عمر الخيام، وقد تُرجم إلى اللغة العربية، وأنشدته أم كلثوم في رباعياته.

نداء النفس وسر الاختلاف

شدَّني في هذا الشطر نداءُ النفس من الداخل، وهو شعورٌ عميق لا يعرفه الإنسان إلا عندما يغوص في أعماقه. فالحياة سرُّها كبير، والإنسان في حدِّ ذاته أعمق. سبحان الله الخالق الأعظم، خلق فأبدع. هنا موطن التصوّر، وهنا موطن الدهشة. خلقُ الله واضح، وأعظم من ذلك كلّه تنوّع خلقه في خلقه.

فكلُّ إنسانٍ من هذا البشر يختلف عن الآخر اختلافًا كليًّا. قد يتشابه إنسانان أو يلتقيان في بعض الصفات، لكنهما في الحقيقة مختلفان. إعجازٌ عظيم، وأعظمُ الإعجاز قوله تعالى في سورة القيامة:

{أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}

إعجاز البصمة وتفرد الرؤية

فقط تخيّل أن بصمة كل إنسان مختلفة عن الآخر. هذا الأمر يدعوك إلى التدبّر؛ قمة الإعجاز في الخلق والتكوين. وليست بصمة الإصبع فقط، بل إن العلم اكتشف أن للعين بصمتها المختلفة، وأصبح لذلك علمٌ قائم يُستدلّ به في الإثبات والتفريق بين الناس.

وللعين دلالاتٌ عصبية وتكوينية فيما تقع عليه. فلو أخذنا مجموعةً من الناس إلى مكانٍ معين، وطلبنا منهم النظر إلى ما حولهم من كائناتٍ بشريةٍ وطبيعية، ثم سألناهم عمّا شاهدوا، لوجدناهم مختلفين كلَّ الاختلاف. وهنا السرّ؛ فإن عملية الرؤية تمر بمراحل دقيقة:

  1. العين تنظر.
  2. ثم تنعكس الصورة.
  3. ثم تُحلَّل عصبيًّا.
  4. فـ تُترجم في العقل.
  5. وأخيراً يصدر الحكم على ما شُوهد.

هذه النظرة إلى الحياة تُكوِّن المشهد البصري، وهذه الصور الحياتية تختلف من شخصٍ إلى آخر. قد يشاهد الجميع الشكل الخارجي ذاته، لكن المدقّق يعلم أن كلَّ إنسانٍ مختلفٌ عمّا شاهده واعتقده وأقرَّه عقله.

رحلة التكوين والعودة

إن الحياة نفسها هي السؤال الكبير لكل إنسان، ويكمن خلفها إعجازٌ عظيم لا يمكن لبشرٍ أن يحيط به. المدقّق يعلم أن حياة الإنسان سؤالٌ مفتوح؛ فهو لا يعرف كيف وُجد، ولا كيف تكوَّن. هو مخلوقٌ من ضعف، ويعود إلى ضعف.

قال تعالى في سورة المرسلات:

{أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ}

هنا بداية التكوين.

ثم بعد الخلق وظهور العظمة يموت الإنسان، ويعود إلى التراب، ويتحلّل وينتهي أمره، كما في قوله تعالى:

{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}

هنا سرّ العودة إلى التراب، والرحيل من هذا العالم العجيب. لك أن تتخيّل أن هذا المخلوق في رحلته بدأ من ماء، ثم يعود بعد جبروته إلى تراب، لكن الرب وحده هو الذي يعيده حياةً أخرى أبدية لا يمكن للعقل أن يتصورها؛ لأن الإنسان بطبعه قاصرٌ في إدراكه.


خاتمة

كل ما سبق جعلني أتفكّر في قول ذلك الفارسي: “عدنا إليك فاقبل توبة التائبين”. فقوله لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد تأملٍ عميق في داخله، وإدراكٍ لعجزه في ذاته قبل غيره.

واليوم نقول كما قال:

عدنا إليك يا خالقنا، فاقبل توبة التائبين.

#الحياة
#فهد_الماضي

المقالات المتعلقة

عن الكاتب

فهد بن حمد بن ماضي

مهندس وكاتب ومفكر

كاتب سعودي مميز يهتم بتناول موضوعات متنوعة تعكس فهماً عميقاً للواقع والتاريخ والمجتمع. تتنوع كتاباته بين التأملات الفكرية والنقدية

تواصل معي

كاتب سعودي مميز يهتم بتناول موضوعات متنوعة تعكس فهماً عميقاً للواقع والتاريخ والمجتمع. تتنوع كتاباته بين التأملات الفكرية والنقدية

تواصل معي

المملكة العربية السعودية