من أخلاق والدي – رحمه الله

من أخلاق والدي – رحمه الله

من اخلاق والدي

بقيت الكلمات عاجزة عن إنصاف العظماء

عندما أكتب عن والدي – رحمه الله وغفر له ولأمواتكم أجمعين – أجد نفسي عاجزًا. ليس لأنني لا أستطيع تناول موضوعه، ولكن لأنني أشعر بالتقصير في منحه حقه بالكلمات. فمن الظلم والتقصير أن أتحدث عن شخص غائب عن الحياة دون أن أوفيه حقه.

والدي كان شخصًا عظيمًا، ليس في نظري فقط، بل في نظر كل من عرفه. لم ألتقِ أحدًا في حياتي إلا وذكره بكل جميل، وهذه أخلاقه التي أعطته مكانته بين الناس. ما أجمل أن تكون وفيًا ومنصفًا مع من تعرفهم، ليذكروك بخير في غيابك.
إن من العدل في هذه الحياة توثيق حياة وتجارب من سبقونا، خاصة إذا كانت تجربتهم منصفة ومفيدة.

ممن تلقى أبي تعليمه؟

على الرغم من أن أهل نجد في الماضي لم يتلقوا تعليمًا كافيًا يتيح لهم التدقيق في حياتهم أو اكتساب علوم متخصصة كـالطب أو المعمار أو السياسة، إلا أنهم كانوا يتعلمون الأساسيات. التعليم في ذلك الوقت كان يتم في الكتاتيب، حيث يتم تدريس العلوم الشرعية وفق اجتهادات المعلمين. الناجح هو من يستطيع قراءة بعض السور وكتابة الكلمات البسيطة.

عندما يصل المتعلم إلى مرحلة “فك الخط” – أي القدرة على القراءة والكتابة – كان يُعتبر قد تخرج من تلك الدور التي تمثل الجامعات في ذلك العصر.

أما في الحجاز، بحكم مكانته المقدسة، فقد سبق المنطقة بنظام تعليمي شبه نظامي. لذلك، من قاد وساد في نجد والحجاز لم يكن بالضرورة بسبب التعليم، بل بسبب استخدام قدراتهم الذهنية وحسن تفكرهم وتبصرهم في الأمور.

أعتقد أن الظروف الصعبة التي عاشوها كانت بمثابة جامعة حقيقية، حيث تعلموا منها الدروس ووجدوا الحلول بأنفسهم. إضافة إلى ذلك، كان للأدب والشعر دور كبير، حيث يعتبران من الموروثات العائلية، تمامًا مثل الكرم والشجاعة.

هذا الفرق الأساسي بين زمنهم وزمننا. فقد نشأنا في ظل تعليم نظامي، حيث الأسرة والدولة معًا كانا يحتضنان الفرد ويوجهانه نحو الأفضل.

والدي مدرسة تُدرَّس

أجد نفسي عاجزًا عن وصف والدي بما يستحقه. فقد كان مدرسة في الأدب والدين والقيادة والحكمة. مجلسه كان بمثابة جامعة مفتوحة، حيث تجتمع فيه أخلاق حميدة ومتميزة. الطفل الذي يحضر مثل هذا المجلس يكتسب قيمًا عظيمة من مشاهدة وتعلم ما يحدث أمامه.

على الصعيد الشخصي، كان والدي متدينًا بالكامل، مدركًا حدوده أمام خالقه، ومتقبلاً لحقيقة الرحيل عن هذه الدنيا. كان عاشقًا للطبيعة، يراها معجزة من صنع الخالق، وكان يقول: “نحن نعيش في حدود نظام أوجده الرب، فلا تتعدى حدود الله فتكون من العاجزين”.

موضوعي مع والدي ليس مجرد قصة، بل حكاية مليئة بالأحداث والجوانب المختلفة، مما يجعل من الصعب نقلها أو سردها دون إسهاب.

الدرس بعد الفقد

عشت مع والدي، عشت مع عظيم وافتقدت عظيمًا. ما أصعب فقد القمم عندما تخفض النظر من القمة إلى الأرض المنبسطة! هكذا هي الحياة، تعلمك الدروس بعد الفقد.

هذا السبب يجعلني دائمًا متحيرًا عندما أبدأ الكتابة عنه. كابن، أعرف عيوبه – إن وجدت – وأتذكر صفاته بشموخ الابن الراضي عن إرث عظيم ومجد مفقود.

الخاتمة

عاش والدي شامخًا ومات كذلك. رحم الله والدي ووالديكم أجمعين.

المقالات المتعلقة

عن الكاتب

فهد بن حمد بن ماضي

مهندس وكاتب ومفكر

كاتب سعودي مميز يهتم بتناول موضوعات متنوعة تعكس فهماً عميقاً للواقع والتاريخ والمجتمع. تتنوع كتاباته بين التأملات الفكرية والنقدية

تواصل معي

كاتب سعودي مميز يهتم بتناول موضوعات متنوعة تعكس فهماً عميقاً للواقع والتاريخ والمجتمع. تتنوع كتاباته بين التأملات الفكرية والنقدية

تواصل معي

المملكة العربية السعودية