
الحمد لله ربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي خلقنا من عدم، وخلقنا ولم نكن شيئًا مذكورًا، الحمد لله الذي استخلفنا في الأرض، وجعلنا عباده نقرّ بشهادته ونطبق عبادته، ثم يتوفانا فنعود كأننا لم نكن. هذا قدر الله حق قدره، خلق فأحسن الخلق، وقدّر فهدى.
الغاية من الاستخلاف في الأرض
أما بعد، فإن الله لم يخلقنا عبثًا، ولم يمنحنا الحياة لهوًا ولعبًا، بل استخلفنا في هذه الأرض لأمرٍ يعلمه وحده سبحانه. في هذه الحياة نختلف في القدرات، وفي التفكير، وفي الاستيعاب، لكن أعظم ما نختلف فيه هو نظرتنا العامة للحياة وتدبرنا في تكوينها. نحن بشر أبناء بشر، نعيش امتداد خلق الله، جئنا بتكوين إلهي ونمضي في امتداد حياة كتبها الله لنا.
تأملات في مسيرة الإنسان وتاريخ الأرض
غير أننا نقف أحيانًا متأملين في مسيرتنا؛ فالإنسان في الأزمنة الماضية كان يظن أن عصره هو كل شيء، وأن ما يحيط به هو العالم بأسره، وكانت تلك نظرة قاصرة سببها قلة المعرفة بنفسه أولًا، وبالأرض التي يعيش عليها ثانيًا. ومع التقدم العلمي، ظهرت الحفريات، واكتُشف إرث بشري قديم يعود إلى آلاف بل ملايين السنين، يكشف عن أقوامٍ ومجتمعاتٍ قامت ثم زالت، وحضاراتٍ ازدهرت ثم اندثرت، حتى انقطع أثر بعضهم فلا يُعرف لهم وجود في حضارتنا المعاصرة.
ومن عجائب التاريخ أن هذه الأرض كانت محور تكوين الحياة عبر العصور. ومن دلائل قدرة الله أننا نعيش اليوم على أرضٍ كانت يومًا ما بحارًا ومياهًا. وهذا أمر يمكن ملاحظته بسهولة؛ ففي المنطقة الوسطى مثلًا:
- إذا خرجت من الرياض باتجاه الجنوب عبر طريق ديراب.
- أو اتجهت شمالًا نحو القصيم عبر نزلة الغاط.
وتأملت الشقوق في الجبال والطرق المحفورة بينها، رأيت تكوين الهضاب بعد انحسار المياه، ولاحظت طبقات الترسبات وقد تحولت إلى صخورٍ متراكبة، كأنها صفحات تاريخٍ مطوية. فسبحان القادر المحوِّل، كيف تبدلت الأرض، وكيف قامت عليها الحياة، وكيف سكنها الإنسان وتوطنها.
وقِس على ذلك الحضارات القديمة، من الصين شرقًا إلى أمريكا الجنوبية غربًا، كيف تكوّنت الأمم، وكيف نشأت المجتمعات، وكيف تعاقبت الأجيال. ومع كل هذا، يبقى الإنسان محدود الفهم، قاصر الإدراك أمام سرّ تكوين الحياة.
عصر التقنية وحدود الإدراك البشري
نحن اليوم نجزم أننا نعيش عصرًا مختلفًا، عصر الثورة التقنية والصناعية التي غيّرت مسار العالم. لكن الأهم من كل ما نملك هو قدرتنا على التفكير، وأعظم منها قدرتنا على التدبر في خلق الله؛ في هذا الكون الدقيق المنتظم، حيث تسير الأفلاك بأمره في نظام محكم لا يختل ولا يستثني أحدًا. فسبحان الله الخالق العظيم.
أما التساؤلات الكبرى التي تقف أمامنا:
- متى تكوّنت الأرض؟
- متى استُوطنت؟
- من أول من وضع حجر إعمار عليها؟
فهذه أمور لا نملك جوابًا قاطعًا لها. نؤمن أن الله خلق الأرض سبع طبقات، والسماء سبعًا، وأن أبانا آدم عليه السلام أول من استخلف فيها، لكن تفاصيل الأزمنة تبقى في علم الله. وهنا يدرك الإنسان أنه مهما أوتي من علم وفكر، فإنه يظل جاهلًا بحقائق كثيرة من ماضي الحياة ومستقبلها.
ماذا يجب أن نفعل في حياتنا القصيرة؟
والأهم من كل ذلك، يجب علينا الآتي:
- أن نؤمن إيمانًا تامًا بأن هناك حياةً أخرى، ننتقل إليها ونعيش فيها على هيئةٍ تختلف عن حاضرنا.
- أن ندرك أننا في سفر، وأننا بحاجة إلى التزوّد بالإيمان والعمل الصالح، وأن ما أوتينا من العلم إلا قليل، وأن القادم أعظم وأشد.
- أن نعي أن إمكاناتنا محدودة، وأن الأفضل لنا أن نحسن الفعل، وألا نُغترّ بما حولنا، بل نسعى لوضع بصمة خير وذكرٍ حسن بعد رحيلنا.
فنحن لا نعلم كيف ستكون حياة من يأتي بعدنا، ولا كيف سيتصرفون، ولا كيف سيدركون العالم.
خاتمة ودعاء
نسأل الله العلي القدير أن يدلنا على سبل الخير، وأن يجعل رحيلنا خيرًا كما كان قدومنا نعمة، وأن يغفر لمن سبقونا، وأن يجعل من يرثنا أتقياء صالحين.
لذلك وجب الإيمان بأن لا ثبات كامل في هذه الحياة، مع جهلنا بتفاصيل ماضيها ومستقبلها، وأن اليقين الحق هو في التعلق بالله، والعمل لما بعد الرحيل.