الموت مرآة الحياة

الموت مرآة الحياة

112

الموت مرآة الحياة

عندما تتجرد الروح لخالقها، يمكن إصلاح بعض الأخطاء العابرة في حياة الناس قبل الرحيل. فقد استوقفتني مقولة لأحد المفكرين الغربيين يقول فيها:

“الموت هو الشيء الوحيد الذي يكتشف أخطاء الحياة.”

وقفت طويلًا عند هذه المقولة، رغم أنها لرجل غير مسلم، لكنها عميقة كل العمق. فالإنسان المتدبر في الحياة تمر به أخطاء، بل قد يفعلها بمحض إرادته، ومع ذلك لا يعتبر. هذا الإنسان الخاطئ لا يتعظ وهو يمارس الخطأ، بل قد يستمر فيه غير مكترث بعواقبه في الدنيا أو الآخرة.

تخيلوا لو انكشفت أفعال الناس وأفكارهم! وأصبحت تصرفاتهم واضحة بيّنة، بل وأفكارهم وأحاسيسهم الخفية معلّقة على صدورهم.

  • كيف ستكون صدمة الإنسان وهو يقرأ التفكير الخفي لكل من حوله؟
  • كيف سيكون شعوره وهو يرى الأعماق التي لا يتصورها العقل، لكنها تُخفى خوفًا من المجتمع؟

أقسام البشر في مواجهة الخطأ

البشر – في نظري – ينقسمون إلى قسمين:

  1. قسمٌ يستمر في خطئه: ويتحين الفرص للمزيد من المخالفات الشرعية والإنسانية المدفونة في شعوره الخفي.
  2. وقسمٌ آخر يحس بالذنب: ويحاول تجاوز فعلته، ذلك الشعور الذي لا يعرفه إلا من خالف أمر الله أولًا، ثم خالف القانون البشري الذي ارتضته المجتمعات.

والإحساس بالذنب أنواع؛ فمن تاب تاب الله عليه، ومن أصرّ واستمر فقد يكشف الله ستره يومًا من الأيام. فالستر نعمة، والانكشاف عبرة، والله يمهل ولا يهمل.

سقوط الأقنعة وحقيقة التجارب

لو أن نوايا الناس عُلِّقت على صدورهم لانكشفوا للعامة، ولسقطت الأقنعة، ولتبيّن المستقيم من المنحرف، ولعرف الناس من كان صادقًا في علمه واستقامته، ومن كان متعلمًا مجرمًا في حق الله قبل حق نفسه. لذلك أعتقد أن التجارب هي الصورة الحقيقية للإنسان، فهي التي تكشف معدنه، لا ادعاءاته.

ومع تقدم العمر، يعالج الإنسان بعض تصرفاته الخاطئة، ويتعلم من عثراته. لكن الكارثة الحقيقية أن يتقدم بك العمر، ولا يتعدل مسار حياتك:

  • رحم الله من كانت لوحته سوداء، فمسحها ولونها بالأبيض.
  • وعفا الله عمن خرج من بطن أمه ولوحته بيضاء نقية، ثم اختار بإرادته الألوان السوداء ليكتب بها على سبورته النقية، فيطمس النقاء ويبقي السواد.

لذلك أبدع من قال إن الموت هو المرآة الحقيقية للحياة الفانية. لكنه لا يفعل شيئًا بذاته، بل يبقى الإنسان تحت قدر ورحمة ربه. فالقضاء قفل، والحكم صدر، والاستئناف بيد العزيز الحكيم.


تساؤل أخير..

هل يقبل الله ضعف عبده ورجاءه؟
الأمر كله بيد من خلقه، العزيز الحكيم. فسبحان من ترجع إليه النفوس، وبيده قرار القدر أوله وآخره، وكل ألوان الصور في هذه الحياة. سبحان الله العزيز الحكيم الذي تعود إليه كل النفوس، الحية منها والميتة.

بقلم: فهد بن حمد بن محمد الماضي

المقالات المتعلقة

عن الكاتب

فهد بن حمد بن ماضي

مهندس وكاتب ومفكر

كاتب سعودي مميز يهتم بتناول موضوعات متنوعة تعكس فهماً عميقاً للواقع والتاريخ والمجتمع. تتنوع كتاباته بين التأملات الفكرية والنقدية

تواصل معي

كاتب سعودي مميز يهتم بتناول موضوعات متنوعة تعكس فهماً عميقاً للواقع والتاريخ والمجتمع. تتنوع كتاباته بين التأملات الفكرية والنقدية

تواصل معي

المملكة العربية السعودية